طباعة

السعادة...و بابها المنسي

د. رنا الصيرفي

 عندما نريد أن نسعد أبناؤنا، فغالباً ما يخطر بذهننا إما أشياء نشتريها لهم، أو أخذهم للتنزه، أو عمل شيء مميز لهم، أو غيرها من الطرق التي تعزز الاستهلاك لدى أطفالنا. ورغم أن هذه الطرق قد تسعدهم فعلاً، إلا أنها قد تحصر مفهوم الشعور بالسعادة لدى أبنائنا في الاستهلاك والأخذ.

فعندما تنحصر السعادة في الأخذ، أو الامتلاك، أو الشراء، أو الترفيه فإنها تضيق، ولا تدوم سوى لبعض الوقت، وكل مرة يحتاج أبناؤنا لشيء أكبر أو أكثر من سابقتها للشعور بالسعادة، وقد يعزز ذلك لديهم روح مطالبة الآخرين بإعطائهم المزيد، وتوقع الأكثر. هذه السعادة غالباً ما تكون غير حقيقية، لأنها مبنية على ما يحصلون عليه من الآخرين، وغير نابعة من أنفسهم. في حين أن السعادة الحقيقية تنبع من داخل الإنسان، والعطاء هو أحد أبوابها الذي قد نغفل عنه أحياناً. فالعطاء يعزز لدى الإنسان أهمية وجوده، ويزيد من شعوره بالرضا وهو ما يحتاجه، وإذا عززناه عند أبنائنا منذ صغرهم فإننا نعدهم لأن يحيوا بسعادة يصنعونها بأنفسهم، وينشرونها بين الناس. كما أن العطاء يعزز القيم الإنسانية لديهم، والثقة بالنفس، ويصقل شخصيتهم أيضاً.

في دراسة أعدتها جامعة هارفارد، شملت 30000 أسرة بينت أن الذين يعطون الآخرين من مالهم أو وقتهم أو اهتمامهم، يشعرون بالسعادة والرضا عن حياتهم بنسبة 43% أكثر من غيرهم. وذلك يعود للتفاعلات الكيميائية في الدماغ، فعندما يعطي الإنسان الآخرين فإن الجسم يفرز الإندورفين مما يجعل الشخص يشعر بنوع من النشاط والنشوة، ويقلل في الوقت نفسه الشعور بالحزن أو التوتر.

كما بينت الدراسة أن أوجه العطاء متنوعة جداً، فلا تنحصر بالمال، أو التبرع بالدم، أو مساعدة المحتاجين،  وإنما تشمل أيضاً الوقت وهو أثمن ما يملكه الفرد، والتحية الصادقة، وحتى إرشاد الغريب للطريق.

إحدى الطرق لتعزيز العطاء لدى أبنائنا هو أن نجعله جزء من ثقافة العائلة، وعاداتها، وهو يجعل العائلة أكثر حيوية وشعوراً بالرضا والسعادة. عرضت بعض العائلات تجاربها في إدخال العطاء ضمن حياتهم اليومية:

  • اعتدت على الخروج مبكراً مع أطفالي، وأخذ بعض الطعام لتوزيعه على عمال النظافة في الشارع. في البداية كان أطفالي يقولون إن هذه العملية تأخذ وقتاً ويخافون أن يصلوا متأخرين للمدرسة، ولكن بعد مضي الأيام، أصبحوا يستمتعون بذلك بل يحرصون على أن يقدموا الطعام بأنفسهم.
  •  في كل عام وفي ذكرى مولد ابني أعد له حفلة يدعو فيها أصدقاءه، ونحتفل معاً. هذا العام، أعددت له حفلة أيضاً، لكنني أضفت شيئاً، أخبرته أننا كعائلة نود أن يكون يوم ذكرى مولده هو يوم يفرح فيه أطفال آخرين أيضاً. دعوت بعض المقربين من أصدقاءه وذهبنا معاً حاملين بعضاً من الكعك والألعاب لزيارة الأطفال المرضى في المستشفى.
  • وددت أن أجعل أطفالي أكثر عطاء واهتماماً بالآخرين، وكنت أريد أن أريهم أن هذا الشيء بسيط ولا يتطلب أي جهد، واتفقنا أننا بعد ركوب السيارة وفي الطريق، ندعو لأول شخص تقع عليه عيننا. أصبح هذا الوقت في غاية المتعة للعائلة وكل واحد يبتكر دعاء في ذلك.
  •  نهاية كل أسبوع نجلس كعائلة ونختار شخص من عائلتنا الكبيرة أو أصدقائنا أو جيراننا، لنقدم له شيئاً بسيطاً، أو لنكتب له بطاقة وأحياناً نتصل فقط لنقل له كم هو عزيز علينا.
  • كنت أريد ابنتي أن تتذوق طعم العطاء للآخرين ولكنني كنت محتارة في اختيار شيء يناسبها. وحانت الفرصة عندما شكت جارتي من ضعف ابنتها التي تصغر ابنتي بخمس سنوات في مادة الرياضيات. اقترحت على ابنتي مساعدتها، وقبلت ذلك. وبعد أول درس شكرتها بنت الجيران، وقالت لها كم أنها استفادت، ففرحت ابنتي كثيراً، ومنذ ذلك الحين وهي تساعد أطفال الجيران، حيث تخصص ثلاث ساعات في الأسبوع لمن يحتاج لمساعدة في الرياضيات أو العلوم.

    العطاء بمختلف صوره هو باب للسعادة الحقيقية، ومهما كان قليلاً فإن له تأثيره على الأطفال وعلى العائلة ككل. فلنساعد أبنائنا على العطاء للآخرين والمجتمع.